الأربعاء, أبريل 8, 2026
الصوت الجنوبي _ تقرير خـاص شهدت محافظة حضرموت، قلب الجنوب النابض، في الرابع من أبريل 2026، فصلاً جديداً من فصول النضال السلمي المعمد بالدم، حيث واجه أبناء المكلا بصدورهم العارية آلة القمع العسكرية التابعة لسلطات الأمر الواقع، هذه الأحداث لم تكن مجرد صدام عابر، بل كانت تجسيداً للصراع بين إرادة شعب يتوق للحرية وسلطة تحاول..." />
الصوت الجنوبي _ تقرير خـاص
شهدت محافظة حضرموت، قلب الجنوب النابض، في الرابع من أبريل 2026، فصلاً جديداً من فصول النضال السلمي المعمد بالدم، حيث واجه أبناء المكلا بصدورهم العارية آلة القمع العسكرية التابعة لسلطات الأمر الواقع، هذه الأحداث لم تكن مجرد صدام عابر، بل كانت تجسيداً للصراع بين إرادة شعب يتوق للحرية وسلطة تحاول فرض وصايتها بالحديد والنار، مستهدفةً حق الإنسان الجنوبي في التعبير عن تطلعاته السياسية والمعيشية.
لقد تحولت شوارع المكلا في ذلك “السبت الأسود” إلى ساحة مفتوحة للانتهاكات، حيث استُخدم الرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين السلميين الذين خرجوا تلبيةً لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي، هذا التصعيد الخطير أدى إلى سقوط شهداء وجرحى وعشرات المعتقلين، في محاولة بائسة لترهيب المجتمع الحضرمي وتطويع إرادته لصالح أجندات خارجية ومحلية تحاول سلخ حضرموت عن هويتها الجنوبية.
ورداً على هذا الصلف العسكري، لم تقف بقية محافظات الجنوب موقف المتفرج، بل اندلعت موجة غضب وتضامن عارمة امتدت من المهرة شرقاً حتى باب المندب غرباً، هذا الزخم الجماهيري الذي اجتاح عدن، وأبين، ولحج، والضالع، وشبوة، وسقطرى، جاء ليؤكد حقيقة واحدة: أن الجسد الجنوبي واحد، وأن المساس بحضرموت هو مساس بكرامة ومصير كل جنوبي، مما وضع القوى القامعة أمام مأزق شعبي وسياسي غير مسبوق.
“مجزرة الرابع من أبريل”: رصاص في وجه السلمية
في مشهد مأساوي يعيد للأذهان أساليب الأنظمة القمعية البائدة، تعرضت التظاهرة السلمية في المكلا لعملية قمع ممنهجة بدأت بانتشار عسكري كثيف وانتهت بإطلاق النار المباشر على المحتجين، القوات الأمنية، المدعومة بتوجيهات سلطات الأمر الواقع ووزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة اليمنية، لم تكتفِ بمنع التظاهر، بل تعمدت إيقاع أكبر قدر من الإصابات لكسر هيبة الشارع.
أسفرت هذه المواجهات غير المتكافئة عن ارتقاء الشهيدين “عمر حيدرة باحيدرة” و”أحمد علي المطحني”، اللذين سقطا برصاص مباشر استهدف حياتهما بدم بارد، وبالإضافة إلى الشهداء، سجلت المستشفيات وصول ستة جرحى إصابات بعضهم خطيرة، مما يؤكد أن التعليمات العسكرية كانت تقضي باستخدام “القوة المميتة” لتفريق الجموع ومنعهم من إيصال صوتهم الرافض للوصايا.
لم يتوقف القمع عند حدود الرصاص، بل امتد ليشمل حملة مداهمات واختطافات طالت أكثر من 50 مواطناً من قلب الساحة، تم اقتيادهم إلى مراكز احتجاز مختلفة، هذه الاعتقالات جرت في ظروف تعسفية تفتقر لأدنى المعايير القانونية، مما حول مدينة المكلا إلى ثكنة عسكرية محاصرة بالخوف والترهيب.
ولعل الأشد قسوة في هذه الحصيلة هو استهداف الطفولة، حيث كشفت التقارير الحقوقية عن اعتقال 11 طفلاً قاصراً وزجهم في السجون مع البالغين، هذا الانتهاك الصارخ لاتفاقيات حقوق الطفل الدولية يعكس مدى التخبط الأخلاقي والقانوني الذي وصلت إليه السلطات في محاولتها لإخماد الانتفاضة الشعبية في حضرموت.
عدن وأبين: زئير العاصمة وتلاحم الروح
انطلقت من العاصمة عدن شرارة التضامن الأولى، حيث أصدرت الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي بياناً شديد اللهجة اعتبرت فيه ما حدث في حضرموت “منعطفاً خطيراً” يستهدف المشروع الوطني الجنوبي برمته، وأكدت عدن بوضوح أن دماء أبناء حضرموت هي جزء من طهر دماء كل الجنوبيين، وأن محاولات عسكرة الحياة المدنية في المكلا لن تمر دون رد شعبي حازم.
وفي محافظة أبين، لم تكن الصورة أقل حماساً، حيث شهدت مختلف المديريات صباح الثلاثاء مهرجانات ومسيرات غاضبة نددت بـ “مجزرة المكلا”، الحشود في أبين أكدت في كلمات خطابية أن وحدة الموقف الجنوبي هي “صمام الأمان” الوحيد في مواجهة محاولات تكميم الأفواه، محذرين من تحويل حضرموت إلى بؤرة توتر تهدد استقرار المنطقة برمتها.
المتظاهرون في أبين رفعوا شعارات ترفض سياسات “سلطات الأمر الواقع”، ونددوا باستخدام قوات الطوارئ للرصاص الحي ضد الصدور العارية، كانت الرسالة من أبين واضحة: إن حضرموت ليست وحدها، وأن أي محاولة للانتقاص من حقوق أبنائها ستواجه بجبهة جنوبية متحدة ترفض التبعية والارتهان.
جسدت هذه الفعاليات في عدن وأبين حالة من “الاستنفار الوطني”، حيث أعلنت الجماهير تمسكها بالمجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي وحيد، وبالرئيس عيدروس الزبيدي كقائد للمرحلة، هذا الاصطفاف الشعبي بعث برسالة قوية للداخل والخارج بأن الرهان على تمزيق النسيج الجنوبي هو رهان خاسر أمام صخرة التلاحم الوطنية.
لحج والضالع وشبوة: جبهة الصمود وتحدي الانتشار العسكري
في محافظة لحج، وتحديداً مدينة الحوطة، خرجت مسيرة جماهيرية حاشدة جابت الشوارع للتعبير عن التضامن الكامل مع حضرموت، مستنكرةً حملات الاعتقال والتنكيل، كما شهدت مديريات ردفان ويافع وقفات احتجاجية غاضبة، حيث أكد المشاركون أن سياسة القمع لن تزيد الشعب إلا إصراراً على استعادة دولته.
أما في الضالع، قلعة الصمود، فقد انطلقت مسيرة كبرى نددت بالجرائم المرتكبة في المكلا، معتبرة أن ما تعرض له المتظاهرون السلميون هو جريمة ضد الإنسانية، المتظاهرون في الضالع شددوا على أن النهج السلمي هو خيار استراتيجي، لكنه لا يعني الاستسلام للظلم، مؤكدين جاهزيتهم للدفاع عن كل شبر من أرض الجنوب.
وفي محافظة شبوة، وعلى الرغم من المنع والانتشار العسكري الكثيف للقوات المدعومة سعودياً، تحدى أبناء المحافظة القيود واحتشدوا في مدينة عتق، هذا التحدي الميداني في شبوة عكس وعياً شعبياً كبيراً بضرورة كسر حاجز الخوف، وتأكيداً على أن سياسة “فرض الأمر الواقع” بقوة السلاح لن تجدي نفعاً أمام إرادة الشعوب التواقة للحرية.
تكاملت هذه التحركات لترسم لوحة من الرفض القاطع لأي وصاية أجنبية أو تدخل عسكري يمس بكرامة الإنسان الجنوبي، وأثبتت هذه المحافظات أن جرح حضرموت هو جرح لكل بيت في الجنوب، وأن المسيرات ليست مجرد تضامن، بل هي فعل نضالي يهدف لانتزاع الحقوق المشروعة.
سقطرى والمهرة: وحدة المصير من أقصى الشرق
لم تكن أرخبيل سقطرى بعيدة عن المشهد، حيث عقدت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي لقاءً موسعاً برئاسة “سعيد عمر بن قبلان” لترتيب حشد جماهيري، اللقاء ضم كافة المكونات الوطنية والاجتماعية، بما في ذلك المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى، للتأكيد على أن وحدة الصف الجنوبي تتجاوز الجغرافيا لتشمل كافة الجزر والأراضي الجنوبية.
أكد قادة سقطرى أن الفعالية المرتقبة يوم الخميس هي رسالة تضامن “عابرة للبحار” مع حضرموت، وتنديد صريح بتدهور الخدمات الذي يعصف بالمواطن، وأشار اللقاء إلى أن سقطرى ترفض سياسة “تجويع الشعوب” وتكميم الأفواه، وتعتبر أن ما يحدث في المكلا هو استهداف مباشر للمشروع الوطني الذي تمثل سقطرى ركيزة أساسية فيه.
هذا التحرك في سقطرى يعكس التنسيق العالي بين النخب السياسية والقواعد الشعبية، حيث تم تشكيل لجان إشرافية وإعلامية لضمان وصول الرسالة الوطنية بشكل حضاري ومنظم، التضامن السقطري يبرهن على أن العمق الاستراتيجي للجنوب يقف صفاً واحداً خلف مطالب أبناء حضرموت المشروعة في إدارة شؤونهم ورفض التبعية.
المشاركة الواسعة من مكونات “المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى” تعطي زخماً إضافياً لهذا التحرك، حيث تظهر التلاحم في وجه محاولات التفتيت، الرسالة من سقطرى كانت واضحة: الجنوب كتلة واحدة، وصوت حضرموت هو صوتنا، ومعركتها هي معركة الكرامة التي لا تقبل القسمة على اثنين.
التوصيف القانوني والمناشدات الدولية: اختبار الضمير العالمي
من الناحية القانونية، وصفت إدارة القانون حقوق الإنسان بانتقالي حضرموت ما حدث في “السبت الأسود” بأنه “قتل خارج نطاق القانون” وجريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، المذكرة العاجلة التي رُفعت للمنظمات الدولية أكدت أن استخدام الرصاص الحي ضد مدنيين عزل يمثل خرقاً جسيماً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يكفل حق التجمع السلمي.
وطالبت القيادة المحلية للمجلس الانتقالي في حضرموت، المجتمع الدولي بكسر حاجز الصمت ومغادرة مربع الدبلوماسية الباردة، محملةً محافظ حضرموت وقيادة وزارتي الدفاع والداخلية المسؤولية القانونية والجنائية، ودعت المذكرة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في حوادث القتل المباشر، وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب تحت غطاء “سلطات الأمر الواقع”.
التركيز الحقوقي انصب أيضاً على قضية المعتقلين والمخفيين قسرياً، خاصة الأطفال منهم، حيث تم اعتبار احتجاز قاصرين في ثكنات عسكرية “وصمة عار” تخالف كافة البروتوكولات الإنسانية، المنظمات الدولية اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقيتها؛ فإما الانتصار لحقوق الإنسان في الجنوب، أو التواطؤ بالصمت الذي يمنح القتلة ضوءاً أخضر للاستمرار في جرائمهم.
إن الصرخة الحقوقية التي أطلقها الجنوب من المكلا والمدعومة من كافة المحافظات، تضع الأمم المتحدة أمام مسؤوليتها الأخلاقية لفرض حماية للمدنيين، التقرير الحقوقي يخلص إلى أن الحماية القانونية للمتظاهرين ليست “منة” من أحد، بل هي حق أصيل يجب انتزاعه، وأن تضحيات شهداء الرابع من أبريل لن تذهب سدى بل ستكون وقوداً للتحرر القانوني والسياسي.
ختاماً، إن ما شهدته حضرموت وما تلاه من هبة تضامنية جنوبية شاملة، يؤكد أن القضية الجنوبية تجاوزت مراحل التهميش وأصبحت واقعاً صلباً لا يمكن تجاوزه بالقمع أو الترهيب.
وإن دماء الشهيدين “باحيدرة” و”المطحني” لم تكن نهاية المطاف، بل كانت وقوداً أشعل جذوة الوحدة الوطنية من المهرة إلى عدن، وستبقى مطالب أبناء حضرموت في السيادة على أرضهم ورفض الوصاية هي البوصلة التي توجه النضال الجنوبي، وسيقف التاريخ شاهداً على أن الصوت الجماهيري الحر هو الأداة الأقوى في وجه آلات القتل، وأن إرادة الشعوب مهما بلغت التضحيات هي المنتصرة في نهاية المطاف.
أبريل 6, 2026
أبريل 6, 2026
أبريل 6, 2026
أبريل 6, 2026