الخميس, مايو 14, 2026
الصوت الجنوبي | تقرير خـاص تحل الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس الانتقالي للجنوب العربي في ظل مرحلة سياسية معقدة تشهدها الساحة الجنوبية، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة أعادت القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد السياسي، بوصفها إحدى أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل الاستقرار في المنطقة، وخلال تسع سنوات، استطاع المجلس أن يتحول من إطار سياسي ناشئ إلى كيان..." />
الصوت الجنوبي | تقرير خـاص
تحل الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس الانتقالي للجنوب العربي في ظل مرحلة سياسية معقدة تشهدها الساحة الجنوبية، وسط تحولات إقليمية ودولية متسارعة أعادت القضية الجنوبية إلى واجهة المشهد السياسي، بوصفها إحدى أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل الاستقرار في المنطقة، وخلال تسع سنوات، استطاع المجلس أن يتحول من إطار سياسي ناشئ إلى كيان يمتلك حضورًا سياسيًا وشعبيًا ومؤسساتيًا واسعًا، مستندًا إلى قاعدة جماهيرية تشكلت عبر سنوات طويلة من الحراك والنضال الجنوبي.
الندوات السياسية والفكرية التي احتضنتها كل من المكلا وعدن بالتزامن مع هذه الذكرى، عكست حجم الحراك السياسي والفكري الذي يرافق مسيرة المجلس الانتقالي، كما كشفت عن توجه متزايد نحو ترسيخ مفاهيم الشراكة الوطنية الجنوبية، وبناء مشروع سياسي يقوم على التوافق الوطني والتمثيل الجامع لمختلف المكونات الجنوبية.
وفي الوقت الذي ركزت فيه الندوات على استحضار المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الجنوبية، فقد حملت أيضًا رسائل سياسية واضحة تتعلق بمستقبل الجنوب، وأهمية الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي، وتعزيز العمل المؤسسي، باعتبار ذلك حجر الأساس لأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء دولة جنوبية مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
من الحراك الجنوبي إلى تأسيس المجلس الانتقالي
شكّلت الحركة الوطنية الجنوبية، منذ انطلاق الحراك الجنوبي السلمي، حالة سياسية وشعبية عبّرت عن مطالب قطاع واسع من أبناء الجنوب، الذين سعوا إلى استعادة حضورهم السياسي وحقوقهم الوطنية، وخلال سنوات الحراك، تعددت أشكال النضال بين العمل الجماهيري السلمي والمقاومة المسلحة، وفقًا لطبيعة الظروف السياسية والعسكرية التي مرت بها البلاد.
وفي الندوة التي نظمتها منسقية المجلس الانتقالي بجامعة حضرموت، أشار الأستاذ عمرو البيض إلى أن القيم الوطنية التي تأسست عليها الحركة الجنوبية كانت الأساس الذي مهّد لقيام المجلس الانتقالي، مؤكدًا أن التحولات التي شهدتها القضية الجنوبية أسهمت في نقلها من حالة الاحتجاج الشعبي إلى مشروع سياسي منظم يمتلك أدواته ورؤيته السياسية.
كما تناول الباحث السياسي علي محمد باسمير التحولات التاريخية التي مرت بها القضية الجنوبية، موضحًا أن إعلان عدن التاريخي مثّل محطة فاصلة نقلت القضية الجنوبية من الإطار الجماهيري إلى مرحلة التمثيل السياسي المؤسسي، وهو ما أفضى لاحقًا إلى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان سياسي يعبر عن تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب.
وخلال السنوات الماضية، استطاع المجلس الانتقالي ترسيخ حضوره في المشهد السياسي من خلال بناء هياكل تنظيمية ومؤسسات سياسية وإدارية، إلى جانب مشاركته في العديد من الاستحقاقات السياسية، الأمر الذي عزز حضوره داخليًا وخارجيًا كطرف رئيسي في أي تسوية سياسية مرتبطة بالقضية الجنوبية.
التفويض الشعبي وتحول الإرادة الجماهيرية إلى مشروع سياسي
يرتبط تأسيس المجلس الانتقالي للجنوب العربي ارتباطًا وثيقًا بحالة التفويض الشعبي التي شهدتها الساحات الجنوبية، حيث اعتبر كثير من أنصار المجلس أن التفويض الجماهيري مثّل نقطة الانطلاق الفعلية نحو بناء كيان سياسي منظم يعبر عن تطلعات الشارع الجنوبي.
وفي هذا السياق، ركزت الندوات السياسية التي أقيمت في عدن والمكلا على فكرة أن الإرادة الشعبية الجنوبية لم تعد مجرد حالة احتجاجية، بل تحولت إلى مشروع سياسي يسعى إلى بناء مؤسسات وطنية جنوبية قادرة على تمثيل القضية الجنوبية في مختلف المحافل السياسية.
وأكد الدكتور حسن صالح الغلام خلال افتتاحه لندوة جامعة حضرموت أن المجلس الانتقالي جسّد الإرادة الشعبية الجنوبية، واستطاع أن يشكل إطارًا سياسيًا جامعًا عبّر عن تطلعات أبناء الجنوب نحو استعادة دولتهم وبناء مؤسساتها الوطنية.
كما شدد الدكتور خالد بامدهف في ندوة عدن على أن القضية الجنوبية اكتسبت مزيدًا من الصلابة بفعل ثبات الشارع الجنوبي وتمسكه بمطالبه السياسية، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز الاصطفاف الوطني وتجاوز الخلافات السياسية لمواجهة التحديات القائمة.
ويبدو أن المجلس الانتقالي يسعى، من خلال استحضار فكرة التفويض الشعبي، إلى تعزيز شرعيته السياسية باعتباره امتدادًا للإرادة الجماهيرية الجنوبية، وهو ما يفسر حرصه المستمر على تنظيم الفعاليات السياسية والجماهيرية التي تؤكد حضوره الشعبي والسياسي في مختلف المحافظات الجنوبية.
الميثاق الوطني الجنوبي.. نحو شراكة سياسية جامعة
مثّل الميثاق الوطني الجنوبي أحد أبرز المحطات السياسية التي شهدها المجلس الانتقالي خلال السنوات الأخيرة، حيث سعى من خلاله إلى توسيع دائرة التوافق الوطني بين المكونات الجنوبية المختلفة، وإرساء أسس شراكة سياسية تقوم على التعددية والتوافق.
وفي الندوة السياسية التي احتضنتها العاصمة عدن، أوضح السفير عبدالكريم أحمد سعيد أن الميثاق الوطني الجنوبي يمثل محطة مفصلية في مسار توحيد الصف الجنوبي، باعتباره وثيقة تؤسس لشراكة وطنية قائمة على الإرادة المشتركة والتوافق السياسي.
كما استعرض القاضي شاكر محفوظ بنش المرتكزات الدستورية والسياسية للميثاق، مشيرًا إلى أنه يستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والمساواة، ويؤكد أهمية الفصل بين السلطات وتمكين الشباب والمرأة والحفاظ على الهوية الوطنية الجنوبية.
ومن جانبه، أكد الأستاذ صالح حسين الفردي أن الميثاق الوطني الجنوبي يمثل وثيقة جامعة تؤسس لشراكة سياسية شاملة، وتضع ملامح الدولة الجنوبية المستقبلية على أسس وطنية ومؤسساتية.
ويعكس الاهتمام المتزايد بالميثاق الوطني إدراكًا لدى المجلس الانتقالي لأهمية الانتقال من مرحلة التعبئة السياسية إلى مرحلة بناء توافقات وطنية واسعة، خصوصًا في ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة.
المجلس الانتقالي والعمل المؤسسي في مواجهة التحديات
خلال السنوات التسع الماضية، واجه المجلس الانتقالي للجنوب العربي جملة من التحديات السياسية والعسكرية والاقتصادية، إلا أنه سعى إلى ترسيخ حضوره عبر بناء مؤسسات تنظيمية وسياسية، والانخراط في العملية السياسية على المستويين المحلي والإقليمي.
وتطرقت الدكتورة مريم العفيف في ورقتها السياسية إلى المراحل التي مر بها المجلس منذ تأسيسه، مشيرة إلى أن مشاركته في الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي مثّلت مرحلة مهمة في مسار حضوره السياسي والمؤسساتي.
كما ركزت النقاشات التي شهدتها الندوات على أهمية تطوير آليات العمل المؤسسي داخل المجلس وتعزيز الشراكة الوطنية الجنوبية، باعتبار ذلك ضرورة لضمان استقرار أي مشروع سياسي مستقبلي.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والخدمية الصعبة التي يعيشها المواطنون، يواجه المجلس الانتقالي تحديًا يتمثل في قدرته على تحقيق توازن بين الخطاب السياسي المرتبط بالقضية الجنوبية، وبين الاستجابة لتطلعات المواطنين في تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية.
ورغم التحديات، فإن استمرار الفعاليات السياسية والفكرية المرتبطة بذكرى التأسيس يعكس سعي المجلس إلى تثبيت حضوره السياسي، وتقديم نفسه باعتباره مشروعًا سياسيًا طويل الأمد، لا يقتصر على الجانب الجماهيري فقط، بل يمتد إلى بناء مؤسسات ورؤى سياسية متكاملة.
الدلالات المستقبلية للذكرى التاسعة
تحمل الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس الانتقالي للجنوب العربي جملة من الدلالات السياسية المرتبطة بمستقبل القضية الجنوبية، خصوصًا في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي باتت تفرض مقاربات جديدة للحلول السياسية في اليمن والمنطقة.
وتشير الرسائل التي طُرحت خلال الندوات إلى وجود توجه متزايد نحو ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية الجنوبية، والعمل على توحيد الصف الداخلي، باعتبار ذلك عنصرًا أساسيًا لأي مشروع سياسي قادر على الاستمرار وتحقيق أهدافه.
كما تعكس هذه الفعاليات إدراكًا متناميًا لأهمية الوعي السياسي والفكري، خاصة في الأوساط الأكاديمية والشبابية، وهو ما يفسر حرص منسقية المجلس بجامعة حضرموت على تنظيم ندوات فكرية تستهدف النخب الأكاديمية والباحثين والشباب.
وفي الوقت ذاته، فإن الخطاب الذي ركز على نبذ الصراعات الداخلية وتعزيز المسؤولية الوطنية يعكس محاولة لتهيئة البيئة السياسية الجنوبية لمرحلة تتطلب قدرًا أكبر من التوافق والتنسيق بين مختلف القوى والمكونات الجنوبية.
ومع استمرار التحولات السياسية في المنطقة، تبدو الذكرى التاسعة مناسبة لإعادة قراءة تجربة المجلس الانتقالي، ليس فقط من زاوية ما تحقق خلال السنوات الماضية، بل أيضًا من زاوية التحديات المستقبلية المتعلقة ببناء الدولة، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق التوافق الوطني الجنوبي.
بعد تسع سنوات على تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، تبدو التجربة الجنوبية أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها التحديات السياسية مع متطلبات البناء المؤسسي وتعزيز الشراكة الوطنية، وقد كشفت الندوات السياسية التي أُقيمت بهذه المناسبة عن وجود توجه واضح نحو ترسيخ العمل المؤسسي وتوسيع دائرة التوافق بين مختلف القوى الجنوبية، باعتبار ذلك مدخلًا أساسيًا لمواجهة تعقيدات المرحلة المقبلة.
كما أظهرت الذكرى التاسعة أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد إطار سياسي مرتبط بمرحلة تأسيسية، بل بات مشروعًا سياسيًا يسعى إلى تثبيت حضوره عبر أدوات متعددة، تجمع بين العمل الجماهيري والسياسي والمؤسساتي والفكري
وبينما تستمر التحولات الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل المشهد السياسي، تبقى قدرة الجنوبيين على الحفاظ على وحدة الصف وتعزيز الشراكة الوطنية العامل الأهم في رسم ملامح المرحلة القادمة ومستقبل القضية الجنوبية.
مايو 9, 2026
مايو 9, 2026
مايو 9, 2026
مايو 9, 2026